واصف جوهرية
239
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
النكات والنواد في وظيفتي هذه ولكن دون جدوى وقد لبس مرة جزمته الجديدة وجاء يأخذ ذوقي في ذات ليلة في خيمته فقال بالتركية وكان عنده من يترجم لي : هل هذه الجزمة جميلة أحبته جدا وأنها لابقة عليك ، وقد ضحك المترجم وهناك وقعت المشكلة وأراد معرفة سبب الضحك ، وأخيرا شكالي بأن هذه الجزمة ضيقة أجبته على الفور الأوفق يا بيك أن تنام فيها بتوسع وعندما فهم غضب وأشبعني شتائم معهودة . كان إسماعيل حقي بك لا يتذوق المدام ، وهناك البلاء وكان نادرا بين زملاءه في ذلك الوقت وهكذا أصبحت في حالة قدرة لا ألبس ثيابا بل بقيت في ثوب النوم وكلي غبار وأقذار وأهملت نفسي من مرة ولم أجد الوقت للاعتناء بنفسي حسب العادة مطلقا . سهرة روشن بك وفي ذات ليلة وأنا بعيدا عن جو المدام والغناء والعزف والسحر وإذ حضر من القدس روشن بك وكانت سهرة عظيمة على الشاطئ فذكرني وسأل عني فجاء صادق بك وأخذني بعد ما سمح لي إسماعيل حقي بك فحضرت السهرة وعزفت وغنيت ما تيسر لهم . وبعد مدة قصيرة توصلت وجلست بجانب روشن بك وأفهمته بأنني على آخر رمق من حالة البحرة ورجوته بأن يسمح لي بالذهاب إلى القدس لتغيير الهواء ولو لأسبوع واحد ونظرا لحبه لي وما لاقوا مني من ليالي مع صديقة حسين أفندي كتب لي مأذونية بخط يده ووقعها وقدمها لي وكانت هذه المأذونية لمدة شهر كامل بالقدس . وبعد إنهاء السهرة أطلعت إسماعيل حقي بك عليها لم يجيب بكلمة واحدة . وفي ثاني يوم بعد ما أنجزت عملي من وزن الحبوب لبست ما يجب لباسه من بدلة أنيقة ومن على رأسي الطربوش بعد ما نظفت جسمي ووجهي وأصبحت جاهزا للسفر إلى القدس معتمدا على وثيقة روشن بك وعندما دخلت خيمة إسماعيل حقي بك لأودعه . وكنت أقول في نفسي ويا ليته وداعا أخيرا إذا أخذ إسماعيل حقي بك مني ورقة المأذونية وقطعها إربا إربا وبدا غاضبا يشتم كعادته وأخيرا جائني ومسك طربوشي وقال لي بتهكم : ولان سن تميز أي أنت نظيف وأنظف مني شوف طربوشك وقارنه بالكالبك الذي ألبسه وأنا ضابط ! ! ولان شن هيج قدس كلماس " أي أنت لا يمكن ذهابك إلى القدس . " ندبت حظي وسوء طالعي وتركته والدمع يجري من مقلتي إلى الخيمة ألعن فيها الحرب والأتراك وخصوصا هذا الداهية ، إلى أن عطف أخيرا علي بعد مدة ثلاثة أيام وذلك بواسطة الشيخ جلال الدين العلمي الذي عمل جهده وحصل لي على إذن خاص موقعا منه هو بالذات لمدة ثلاثة أسابيع .